فرح بين حُزنين

أغسطس 9, 2020

قبل بضع أيام فقدت إحدى الصديقات والدتها، ولم يكن الأمر بالهيّن ليس لأن للموت هيبته فقط بل لأنني كنت أعيشُ تفاصيلًا كثيرة تخصّ تعبها في حياتها، فضلًا عن كونها يتيمة الأب منذ سنوات. كما أن وفاة والدتها تلتها وفاة شقيقة والدتها بيومين، فوقع الصدمة كان كبيرًا ليس لعظم الفاجعة فقط ولكن لأنني لم أصحو من صدمة فقدها لوالدتها بعد.

وقد يكون الموت يُعاجل الذين نُحبّهم ليختبر صبرنا ويُعوّدنا بشكلٍ تدريجي على قسوة الحياة!

بعد ذلك بيومين أتى خبر عقد قران إحدى الصديقات وكأن الحياة تُعاجلني بفرحٍ لم أكن بانتظاره لتربت على قلبي من تلك الفاجعة، فاللفرح آثاره التي تنقلنا من أحزان الحياة وتطيرُ بنا كغيمة تنقلنا من أرضٍ لأخرى، حيث أن فرحتي بعقد قران صديقتي نقلتني من يقظة الفقد إلى حلم الفرح، ومن ضيق الحياة إلى سعة الأمل. لكن الحياة تأبى أن نعيش الفرح طويلًا، وتتعامل معه كممرّ ينقلنا من ضفّة لأخرى لا يُمكن السكنى فيها، فصبيحة اليوم الذي تلى عقد القران فاجأتني صديقة بخبر إصابتها بورمٍ غير حميد، تماسكتُ بقدر ما منحتني إياه الحياة من قدرة على التماسك والثبات إلى أن قلتُ لها مازحة في تعليق على أحد المواضيع: خلي ننتحر سوا.

ردّت: انتحري لحالك، أنا عندي خيار ثاني. ـ تقصد خيار الموت ـ

أؤمن بعدم وجود فرح دائم أو حزن دائم، وأدرك جيّدًا أن الحياة تسلبُ بقدر ما تمنح، وأنّ الأحزان تبدأ كبيرة وتصغر لكن لا تتلاشى، وأن الدمع يُخفف قدرًا من الأسى لكن لا يُميته إذ ليس بوسعه أن يُنهيه. فالحياة بقدر امتلائها بالأحزان تمنحنا عزاءات كثيرة أعظمها الأمل.

ولولا الأمل لما تجاوزنا الكثير من العثرات والأحزان التي كُنّا نظن أن تجاوزها مستحيلًا، وباعتقادي أن ما نحتاجه ليس الأمل فقط لكن القدرة على خلقه وإيجاده.

أخيرًا لا يُمكنني تجاوز إيماني بأن الأمل هو الخدعة التي تجعلنا نعيشُ بشكلٍ جيّد.

لست حكيمًا بما يكفي

أغسطس 3, 2020

منذ أن كُنّا صغارًا كانت أمي ـ حفظها الله ـ تُردّد: “الصمت حكمة خير من الحديث الصائب” في طلبها منّا الأدب بشكلٍ عامّ وترك التطفّل بالقول والرأي بشكلٍ خاصّ 🙂

مرّت السنون وأثبتت أن الصمت خيار جيّد في مُعظم المواقف، وأنه بمثابة خيار سلميّ يُعتق صاحبه من مغبّة الحديث. ورُغم الهجوم العنيف على الصمت في أوقاتٍ عدّة لا سيما أوقات الأزمات والحروب إلّا أنّه من أفضل ما يُمكن أن يُقدّمه المرء خاصّة إن لم يكن لديه الوعي التامّ بالقضيّة أو المعرفة الكافية حول الأمر، أو القوّة والجرأة لتحمّل تبعات ما سيقوله.

ولا يُمكن إغفال أن الصمت قد يكون موافقة في بعض الأحيان حيث أشار إليه الرسول صلى الله عليه وسلم بكونه سكوتًا في ردّ البكر على أمر الزواج، بغض النظر عن كون السكوت معنى خاصّ والصمت أشمل منه.

وبغضّ النظر عن أنّه موافقة في بعض الأحيان فهو في الغالب فضيلة تكسو صاحبها هيبة ووقارًا فلم يوصف الإنسان الصامت بوصفٍ يدلّ عليه كما وصف كثير الكلام بأنه مهذار، وقد يكون في هذا دلالة على كونه طبيعة بشريّة، حيثُ لا يُمكن استنكار كثرة الصمت!

إضافة إلى كون الصمت فضيلة حيث لا يوصف المرء بالحمق إلّا من خلال تصرفاته وكلامه والصمت قد يُنجيه من هذا الوصف، كما أنّه يُشكّل درع حماية لصاحبه من الوقوع في الزلل أو إيذاء الآخرين بقصد أو من دون قصد، ولا يُمكن تجاهل دعوة الرسول صلى الله عليه وسلّم إليه في الحديث الشريف: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت” ـ والاستشهاد بهذه الدعوة جاء بغضّ النظر عن كون الصمت خيار لمن لا يُمكنه التصريح بما يشاء ـ وهذه الدعوة جاءت لتُهذّب سلوك الفرد وتحمي الآخرين من فلتات لسانه.

كما ذُكر عن لقمان الحكيم أنّه قال: “الصمتُ حكمٌ/حكمة وقليلٌ فاعله” وهذا ما يؤكّد أن الصمت فضيلة لا يتحلّى بها الكثير إمّا جهل بعظمة فضلها أو تغافل عن قيمتها أو رغبة بصنع وجوده ككائن حيّ يتفاعل مع الآخرين!

أخيرًا رغم أن الصمت فضيلة إلّا أنّه لا يُمكن إنكار فضل الكلام في التشافي، كما أنّ هذه التدوينة لا علاقة لها بأنواع الصمت والفرق بينها بل هي حديثٌ عامّ.

دقيقة من فضلك..

يوليو 31, 2020

أؤمن تمام الإيمان أن المناسبات الاجتماعيّة والدينية فرصة للوصال ولمدّ جسور الودّ وتمنحنا ـ أيضًا ـ فرصة للاعتذار المُغلّف بالتقرّب والتودّد بغضّ النظر عن كونها تُمثّل شكلًا من أشكال النفاق الاجتماعي في أحايين كثيرة .

لكن مثل هذه المناسبات بمرور الوقت وبفعل بعض التقنيات جعلت من تفاعلاتنا معها وتهنئتنا للآخرين مُعلّبة وباردة نؤديّها كما نؤدي مُعظم الواجبات، وهذا ما أفقد مثل تلك الأشياء رونقها وجمالها وتفرّدها، فمثلًا الردود الجاهزة على كُلّ عبارة ـ والتي تصلك قبل المناسبة وتُذكّرك بألا تقع في خطأ “تأليف” أيّ ردّ ـ تُفقد تلك التهاني جمالها، كذلك التعبير خلال المناسبة نفسها بنفس العبارات من غير إضافة لمسات تُجمّلها أو تجعلها مُتفرّدة تُفقدها جزءًا من قيمتها واستشعارها كدعوة نتمنى وقوعها أو تهنئة نفرح بأمنياتها.

حينما انتقلت التهنئات من كونها تهاني مُباشرة إلى تهاني مكتوبة من خلال وسائل التواصل الاجتماعي أصبح الجميع يُحوّل الرسائل أو التهنئات التي تصله وكأنّه يحاول التخلّص من عبء الواجب في تقديم تلك التهنئة! ورغم كُلّ ذلك كان هناك صوت يقول: انتبه لاسم المهنئ قبل أن تُرسل لأن بعضهم لا يُكلّف نفسه عناء قراءة التهنئة قبل إعادة إرسالها فيقع في حرج أنها تصل للآخرين باسم وتوقيع لا يخصّه 😦

كما أن التقنية لم يُعجبها ما يصنعه أولائك من نسخ الرسائل ولصقها أو تحويلها للتخلص من عبء الواجب بل سعت جاهدة لفضح التهاني الباردة والمُعلّبة حيث أن تطبيق الواتساب ـ مثلًا ـ أصبح يُظهر إذا ما كانت الرسالة محوّلة أو لا، ورغم هذا الجهد من مطوريّ التطبيق، الأشهر في الرسائل الفورية، إلّا أن البعض أصبح لا يتورّع عن تحويل الردود على الرسائل! ولم يكتفِ بتحويل رسائل التهنئة فقط!

ولأن أمر المناسبات يعني لي الكثير، ولم أحاول استخدامه للنفاق الاجتماعي إلّا في مراتٍ معدودة، فأحرصُ كثيرًا على عدم استخدام القوالب التي يستخدمها من يؤدي التهنئة كعبء، كما أحرص على كتابة ما سأرسله بنفسي احترامًا للمناسبة وحرصًا على عدم تقديم تهنئة باردة بُرودها قد يُفقدها قيمتها لدى الآخر.

كما أرى أنّه من المهم منح الآخرين وقتًا لنقول لهم أنّنا نتمنى لهم أعيادًا عديدة وهم في صحة وأفضل حال، أفضل من منحهم شعور أنّ ما قدّمناه لهم مثّل لنا عبئًا سعينا للتخلّص منه.

وعادت أعيادكم كما تحبّون، بصُحبة من تُحبّون

أفكار مُخلّة

يوليو 21, 2020

كتابة الأفكار أحد أشكال التخفف منها، وليس بالضرورة أن تكون الكتابة تعكس داخلك، فهي أحد أشكال التزييف والخداع، لذا لا ضير من كتابة ما تؤمن به ولا تُقيمه، وما لا تؤمن به وأنت مُنغمسٌ به! الكتابة بشفافية شكل من أشكال الانتحار، لذا من المهم معرفة المرء إذا ما كان مُستعدًا للانتحار/الموت أو لا قبل أن يكتب ما يجول في خاطره.

كما أنّه ليس بالضرورة أن تكون صادقًا دائمًا أو واضح كما تُحب، ويُمكنك أن تكون مُزيفًا لتُرضي الكثيرين الذين يحفلون بالزيف وهم يُدركونه.

إضافة إلى أن الأفكار تتراكم بفعل الأحداث والمواقف، وإن لم تخرج بالكتابة لتتنفّس فقد تتعفن وتصيب صاحبها بأمراض لا يُمكنه أن يعيها، قد تظهر في سلوكه وقد لا يحدث شيء من ذلك.

..

ليست الحياة بالبساطة التي يعتقدها الصغار ولا بالثقل الذي يتحدّث عنه الكبار، لأن أمر بساطتها وثقلها مُرتبط بما يواجهه الفرد خلالها وليس بحقيقتها، فحقيقتها نسبيّة رغم أن القرآن ذكر أن الإنسان خُلق في كبد ـ في سورة البلد ـ، لكن اختلاف التفاسير حول أمر المكابدة يُثبت أمر نسبيتها.

وقد يكون ثقل الحياة مُرتبط بما نفقده أو ما نحتاجه ونرغب به، فهو معيار لثقلها أو خفّتها، لذا من يفتقد حبيبًا يُحس بثقل الأيام، ومن يحتاج عونًا يشعر بثقل الحياة…. وهكذا.

..

أفتقد أبي.. ولا أستطيع تجاوز فقده، ليس لأنني أرغب بعدم التجاوز لكن لأن الحياة لم تمنحني فرصة للتجاوز.. فهل الحياة هي من تمنحنا الفرص أم نحن من يقتنصها كما يذكر البعض؟

أظن أن الأمر مُشترك هي فرص عابرة تمنحها الحياة بشكلٍ عام يستطيع اقتناصها المحظوظون فقط، ولا عزاء لغيرهم. وليس للحظّ علاقة في عدم تجاوزي لفقد أبي بعد مرور أكثر من اثنين وعشرين عامًا لكن الأمر له علاقة بي وبتعلّقي، ربما لأنني أرغب بمشاركته كُل ما يجتاحني وما يفرحني، الرغبة بالمشاركة هي التي تُحدد القدرة على التجاوز، وليس الرغبة بالتجاوز ذاتها.

..

حينما تغلب على الإنسان شقوته يفقد الكثير في حياته، رغم أن غلبة الشقوة مرتبطة بالمُتعة والأهداف، فحينما تكون الأهداف غير نبيلة أو يكون المرء مُستمتعًا ولا يحسب للمخاطر والخسائر تغلب عليه شقوته. وقد ذكر القرآن إقرار أهل النار بغلبة الشقوة وأنها هي ما أوصلهم لهذا المكان بدليل طلبهم العودة بشرط عدم تكرار العمل وإن فعلوه فهم ظالمون. لكن كيف يتُقي الإنسان غلبة شقوته؟

بظنّي أن حساب الفرد للمخاطر وما سيترتب على ما سيفعله قد يقيه في الغالب ويحميه، فمن المهم أن تكون الأهداف نبيلة والمُتع غير محفوفة بالأخطار.

..

تمنح الحياة الاستعراضيين فرصة للظهور، لكنّها فرص قصيرة العمر، ولا يُمكن أن يُعوّل عليها، لذا على المرء الاستعراضيّ أن يعي قدراته ويُحسّن منها، بغض النظر عن قدراته حين الاستعراض وما قبله، فالوعي بما يملكه هو ما سيمنحه فرصة العيش عمرًا أطول على مسرح الحياة، كما أن تحسين القدرات سيضمن له العيش من غير مخاوف الإفاقة على فاجعة افتضاح حقيقته. وإن كنتُ أتمنى لجميع الاستعراضيين الهلاك وهذه من الأمنيات التي أعتزّ بها.

..

حينما يتمكّن الأوغاد من خداعنا ليس سوءًا فيهم بل لأننا مغفلين، لذا ما فعلوه سيُحتسب لهم لأن إحسان العمل وإجادته ـ بغضّ النظر عن كونه أخلاقي أو لا ـ نقطة قوة لصاحبه. كما أن معيار أخلاقيّة السلوك أو عدمها نسبيّة! أما لماذا وصفتهم بالأوغاد فهذا رأي ولي حقّ وصفهم بما شئت بناءً على سلوكهم معي 😀

ماعلينا

لماذا كتبت هذه التدوينة؟

لأنني بحاجة إلى كتابة تدوينة يتنفّس فيها عقلي، وتتخفف بها نفسي

حقيقة هرم ماسلو

يوليو 4, 2020

باعتقادي أنّ أسوأ شعور ممكن أن يُحسّ به بشر هو شعور العجز، فهو شعور يتفوّق على شعور حاجاته الرئيسة، لأنه مُتسبب رئيس بها، فمن يعجز عن حماية نفسه لن يشعر بنعمة الأمن، ومن يعجز عن ايجاد قوت يومه سيقتصّان منه الجوع والعطش، ومن يعجز عن إيجاد مأوى سيتقاذفانه رمضاء الصيف وزمهرير الشتاء، فالعجز بشكلٍ عامّ قد يُعيد تشكيل ما وضعه ماسلو في هرمه للحاجات ليكون شعور القوّة النفسيّة والجسديّة والاجتماعيّة هو ما يُمكنه أن يمنح المرء حاجته من تلك الأشياء على طبقٍ من ذهب.

إذن القوّة هي قاعدة الهرم في الاحتياجات، لكن الأمر الصعب يتلخّص في: كيف يُمكن أن تتحقق أو تُكتسب؟!

لا اعتقد أن بوسعِ إنسانٍ أن يكون قويًا كُلّ الوقت، فهي أمرٌ نسبيّ يتحكّم بها المجتمع والقانون والعُرف والحياة بشكلٍ عامّ. كما أنها لا تُمنح بشكلٍ سلس إلا لمن يمتلك وجاهة اجتماعيّة أو سياسيّة تُخوّله الحصول على ما يُريد من غير أيّ إحساس مُنهكٍ بالعجز!

العجز شعور نفسيّ من أهمّ أسباب الشعور به: الرغبة؛ الرغبة بالشيء، أيًّا كان هذا الشيء حتى وإن بدا للآخرين تافهًا. فـلن يُوجد شعور العجز إلا بوجود الرغبة.

الإحساس بالعجز ـ برأيي ـ قد يُؤدي بالمرء إلى الجريمة، أو المرض، فهو شعور لا يُمكن مقاومته أو التشاغل عنه، لأنه حاضر مع كُلّ موقف يتعلّق بالرغبة.

الكارثيّ في أمر العجز أن الكثيرين لا يتعاملون معه بشكلٍ جادّ فيتركون ما يواجهونه للظروف والأيام واللتان تقتصّان منهم ومن صحّتهم النفسيّة والعقليّة والجسديّة من حيث لا يعون. رغم أن كثيرين لا يؤمنون بوجوده ويعيشون يقتاتون على الأمل وبعض النصوص الدينيّة التي وظّفوها لمداواة ما تركه من أثرٍ نفسي سيء.

وهنا لا أدعو إلى عدم الإيمان بالقدر خيره وشرّه لكن انتقد الجبناء والمتواكلين الذين يرمون بحملِ العجز على عبارة “الخيرة فيما يختاره الله”، والتعزّي بمثل تلك العبارات من غير الاعتراف بالأثر السيء للعجز أو محاولة مقاومته!

وأخيرًا:

كيف يُمكن اكتساب القوّة للتخلّص من ذلك الشعور أو لمواجهته أو الابتعاد عن الوقوع فريسة له؟

لا أعلم..