بعد أن توارت ، التقطت من تحت وسادتها دفتر مذكراتها ،
قلّبته على عجل .
وقعت عيني على الصفحة الأولى من الخلف ، فوجدت /
اليوم الـ لاأعلم كم ، بعد ماأسموه مجازا ” عيد “
كان علّي أن أخرج إلى الحياة ، يحكون أنه على غير المعتاد “جئت “
وأن ثمّة حادثة كانت ستسرقني من حضن أمي .
في الأربعين الأولى من مقاسمتي لإخوتي ” حضنها “
وحبها أيضا !
بعد تلك الأيام ، حدثت حادثة كانت ستفقدني كتابة ماوُجد هنا .!
وكنت سأفقد إحدى سبّابتي ، فسلّم الله
وعشت سليمة معافاة ..
يبدو أن الشقاء كان حليفي مذ أن جئت ، وأن الأمر عند أهلي لايتعد كونه تجاوز عقبات .
لأعيش يلزمني فقد أن أُقدّم ، ويتحتم عليّ ألا ألتفت لمقدار الفقد بكل حال ..
فـ “الدنيا تبي والآخرة تبي “
كما تقولها إحداهن وأُتبعها بضحكة ..
أعجز أن اختصر طفولتي في سطرين أو أن أُسهب فيها ..
فالأمر بشقيه صعب ..
لئلا أفنى أو تفنى أحباركم .!
قبل عام وأشياء من الآن /
بدأت معركة حياتية ، مفروضة علي بكل حال .
وكان الأمر يلزم تشبث بالوهم أكثر من كونه حقيقة مرئية .
ولزمني أن أعيش الوهم وأتدثره كما هو
لا أن أبحث في ماهيته وصدقه من عدمه ..
فالكل منذ البداية كان أمرا مقضيا .!
تتهمني صاحبتي بـ ” القدرية ” ، والحال تقول أن الأمر أقدار لا أكثر ..
لأنها لاتعرف التفاصيل كما أنا ..
وكان علي أن أعيش كسابقا وكأصبعي !
وعشت ..
نسيت أن أمي بعد أربعيني بسنة أنجبت طفلا آخرا .
واستطاع ببكائه المستمر أخذها مني كما الآن تماما !
فهو آخر العنقود ،
ويحكون أنه سكر معقود وأن ” القعدة حبه رعدة ” !
وأنا بت ضائعة مابين ” قعدة ” أمي وبيني !
وبين الآخرين الذين تحكي بطاقة الأحوال أنهم إخوة بينهم أخت واحدة .
وعشت
فالحياة كانت ” غصب طيب ” تجعلني أعيش ، لأن الأمر لايتعلق بالرغبات
ولا الأماني .
بل أن تتعلم كيف تعيش ، وتعطي كل مافيها ” أشكل “
لتتمكن من توزيع أكبر قدر من الابتسامات ، وليتمكن الجميع أيضا من رؤية أسنانك التي تعالجها بـ ” سنسوداين ” كما ينصح الأطباء العالميين .!
كما أني أريد ذلك .!
وبعد أن أصبحت أهتم بنفسي تحت ” راية ” الوهم
عشت بعدُ كاسمي ” هناء ” .!
ألم أقل أن الأمر مفروض ؟!
..
وأقفلت مذكراتها ، لأستعيد صورتها وأبحث في عينيها .
لأدرسها من جديد ..
فـالآن لم تعد كما كنت اعتقد .
وطفقت أبحث في روحها ، عن سر كانت تخفيه ، وأنا من كانت تعتقد أنها بئرها العميقة ، وأن لا أحد وصل لما وصلت إليه عداي !
داهمني صوتها تدعوني إلى ماصنعته يداها ، وكان على في تلكم اللحظة أن أواري ماكان بين يدي ..
وحدث .
وجلست بين يديها إكمالا لمسيرتي البحثيّة .
بادرتني بالسؤال /
إلى أي سطرٍ استطعتِ الوصول ؟!
صعقتني حقيقة بما قالت ، فلم أكن أتصور أنها علمت بالأمر .!
ابتسمتُ
وحدثتها أني عشت كما هي بهناء ، وكان وصولي إلى أنها هناء .!
وأردفتُ /
أن لم يكن باستطاعتي إكمال ماكان هناك إن سمحت بإكماله .
وكانت عينيها تشي بأن ليس ثمّة أمل في ذلك !
فاختصرت الطريق وطلبت منها أن تختصر ماكان هناك ، إن كان بالإمكان .!
ارتسمت على ثغرها بابتسامة وادعة ، كما هي ..
وتدفقت أحرفها /
تعملت خمسة أشياء ، لوقلّبتي المذكرات كلها لن تفهميها !
ولن تخلصي بشيء على كل حال ..
وأعلمي أن تلكم الخمسة لاتُرقّم ، كما تفعلين بأشيائك .
ـ أن الحياة حِكرٌ على ” المطحونين ” لأن الجميع يُحس بما يتدفق من مشاعرهم ، ويتفاعل مع مايُمَررون .
ـ أن حبُّ الوالدين لآخر العنقود يعني محاولة لتعويض توقفهم عن إنجاب إخوة يسلّونه ويسلبونه حبّه ، وهو فهم خاطيء بكل حالِ ، لأنهم جميعا جاءوا بنفس التعب وبنفس ” الرتم ” الذي جاء به هو .!
ـ أن استماتتك في جعل الوهم حقيقة ، لايعني حقيقته .
ومحاولاتك تلك لاتعني أن تتشبث به وتعيشه ، لأنك فقط تحاول .!
ـ أن محاولة تضحية الآخرين من أجلك لايعني حقيقة الأمر في دواخلهم ،
فالجميع عائش بقناع ، والظاهر لايعني الباطن دائما ، لكِ فقط أن تحاولي التعايش مع الأمر ، وليس تعليق الآمال والأماني .
ـ وآخرها /
أن كل مافي الحياة لايحتمل أن تعيشي بـ قلب ، فاستبدلي شيئك بأشياء أُخر .
فقط
وأطرقت هناء بعد دعوة لطيفة بأن أحاول أن أعيش كما هي بـ “هناء ” .!



