إلى جميل أشبهه ،
يتوسدّ ويلتحف التراب قبرا
جميعهم بلا استثناء يتفنّنون في كتابة “النكد” ،
وفي “التنكيد” على المرسل إليه ،
فهل سأكون مختلفة ؟!
لا طبعا ،
فما علّمتني إياه يتطلّب ذلك ،
يجبرني على أن أكون ابنة بارّة ولو في هذا الموضع ،
وبأن أريك ماربيتني عليه ،
وماسعيت لأن أكونه ،
الموت مع الجماعة نجاة ، هكذا تعلمت ، وعلمتني ،
فلن أخرج عمّا تعلمته 
من الأشياء التي لم نتمكّن ـ كبشر ـ بعد من تطويرها ،
تصوير المشاعر ونقلها بكلمات ،
فالكلمات عاجزة ،
وـ دائما ـ حينما نحاول أن نتحدّث عن مشاعرنا فإننا نحترق بها
قبل أن نخرجها بالطريقة التي نودّها .
المشاعر شيء منّا ، حينما نتحدّث بها أو عنها فهو شيء يشبه أن تقطع قطعة منك وتقدّمها لأحد ،
لذا هل استطيع أن أرسل لك كلّي ليحدّثك ؟!
عيني لتنظر إلى عينيك ،
وكفّاي لتمسح على جبينك المتعب ،
وتدلّك يديك وهي تعبث معك وتتحدّث إليك ،
وساقيك ورجليك وهي تقلّم أظافرك .!
هل تعي أنها اثنى عشر مرّت وكأنها البارحة ؟!
هلى تعلم أنها اثنى عشر بشهورها وفصولها ؟!
اثنى عشر وأنا اتدفأ بنار الانتظار إلى أن شارفت على أن تتحول رمادا ،
فقررت أن أصرخ بك ، نعم ، علّك تعي غيابك ماذا يحفر وكيف ينحت !
لن أحدّثك بما يحْدث كلّ ليلة ولحظة ، لكنّ سأحدثك بما أصبحته بعدك ..
هل تذكر أمانيّ التي حدّثك عنها كثيرا وأنا أقلّب لك الجريدة ؟!
وكنت أطلب منك الوعود بتحقيقها وألحّ في ذلك ، والتي لم تضنّ عليّ بها .
لاشيء منها تحقق ، هل تصدّق ؟!
نعم لأنك كنت الراعي الرسمي لها ، وبرحيل الراعي لايمكن للشياه أن تعيش طويلا ،
وإن عاشت يجب أن تعلم أن وعود الراعي تختفي برحيله ،
وأن ليس بمقدورها أن تحقق شيئا ليس لها من الحكم فيه شيء .
أيضا مزرعتك ، هل تعلم أنّ بنيك ينوون بيعها ، هكذا يقولون ،
وبعد ماذا ؟!
بعد أن اقتلع بعض نخيلها ،
وافتقدتك زيتونتها العتيقة ،
وشجرة التوت لم تعد تطرح شيئا ،
واحتل الاسمنت جزءا من خضرتها ،
وبكتك تربتها طويلا ،
ولم يعد بمقدرو الماء أن يسري بها كشريان يغذّيها لأن يدك لم تعد تمهّد الطريق له ،
ولأن قطرات عرقك المفارقة لجبينك الطاهر لم تعد تغذّي تربتها .
هل تعلم حينما علمتُ بمشاوراتهم كيف وكم بكيت ؟!
هي الباقي بعدك ،
النابضة بك ، وبذكرياتك ، وبرائحتك ،
المتبقيّ لي منك من بعدك !
هه !
أأجعلها عذرا لأبكيك وأنا النائحة التي لم تجف دمعتها بعد ؟!!
يجب أن تعلم أنّك مدين لي بأشياء كثيرة ، لن أسامحك عليها ،
منها أنّك علّقتني بك ،
تركتني صغيرة ،
رحلت من دون أن تعطيني وصيتك الخاصّة والتي لاتعني أحدا سواي ،
ربيتني لأكون مثلك ، وأشبه أميّ في كلّ شيء ،
و رفعت سقفي في الرجال ،
ورحلت !
كان متبقيا من العمر خمس سنوات لتسلّمني إلى العشرين ،
لم لم تنتظرها ؟!
لم استعجلت وتركتني في الباقي من عمري أحتاجك ،
احتاجك إلى مابعد العشرين ، أصبحت كالطفل الذي فُطم قبل وقته ،
تُرديه ردّة الفعل ، ليبقى حبيس ماحُرم منه .
أأحدّثك عن كل مرّة يزورني بها طيفك ، وكيف أتعلق بـ “كمّه” أو التصق
بـ “حضنه” مجبرة إياه أن يترك لي وسيلة اتصال به حينما
تلفحني ريح الحنين ، ويعبث بي إعصار الاحتياج !
في إحدى المرّات كنت ألحق بك وأنت ذاهب وأقول :
اترك لي رقم تليفونك أقل شيء ، اتصل بك لما اشتاق لك !
وابتسمتَ ومضيت ، وصحوتُ من نومي والكون لايسع فرحتي بطيفك ،
في الأخيرة أو قبلها برؤيتين ، كنت أتمرّغ في حضنك وأبكي ،
وأقّبل وجهك ويدك وأقول لك : هذا اللي أبيه ماأبي شيء غيره !
هل تعلم ، كل الأشياء بعدك تغيّرت ،
حتّى خوف أميّ علينا ،
تغيّر أصبح أكثر ، أكبر وأعمى !
أتمنى وجودك كثيرا لئلا أرى الهلع في عينيها ،
لأجلي وأجلك وأجلها !
لن أحدّثك عمّن بقي ، لأن من بقي تزوّد بما يحب ويشاء ،
عمّتي صاحبة العبارة الأشهر / مهيّة تعرس وأمها حيّة !
لحقت بك ، عجلة .
عمّي محمّد ، رحل أيضا بعد أن زلزله المرض ،
متّ ليلة رأيته ، قبّلت يده النافرة العروق المنبئة عن جسد يسري الموت بداخله .
أأخبرك عن إخوتي وأخواتي ؟!
إنهم بخير ياأبي ،
لا أعلم إن كانوا يذكرونك كثيرا أو لا ،
لكن الذي أنا متأكدة منه أنهم لم ينسوك من دعائهم دائما ،
أيضا لكلٍ منهم طفل يحمل اسمك ، لكنّ المفارقة العجيبة أن من سمّي باسمك
يكون الأكثر شغبا في العائلة !
ربما هؤلاء يحاولون تعويض الدنيا عن صوتك الذي لم ترفعه على أيّ منّا يوما ،
ويدك التي لم تمسّنا بسوء تحت اسم التربية .
أخيرا لاأعلم إن كنت استحق أن أكون ابنتك أو لا ،
لكن ماأعرفه حقّا ، أني أحبّك ، وأحتاجك !
ابنتك الصغرى
التي لاتفتأ تذكرك



